دراسات حول التبغ
التهديدات الاقتصادية للتبغ
جميع الأمراض المعدية والأوبئة تحتاج إلى نوع من ناقل أو وسيط لنقل المرض وبالتالي يؤدي إلى الوفاة وبالنسبة لوباء التبغ فإن الناقل له ليس فيروس أو بكتيريا أو أي نوع من أنواع الجراثيم، إنه الشركات المصنعة للتبغ وإستراتيجيتها المتبعة لنشر استخداماته.
فكلنا يعلم أن وباء التبغ ما كان ليجتاح العالم لولا وجود هذه الشركات وتسويقها لمنتجاتها المميتة على مدى القرن الماضي. إن هذه الشركات الناقلة لوباء التبغ قد استهدفت منذ فترة بعيدة صغار السن والشباب لتعويضها عمن تفقدهم من البالغين الذين أقلعوا عن استخدام التبغ أو من الذين سيموتون بسببه. فعلى الرغم من أن الأفراد الذين يدخنون يدمنون على التبغ إلا أنه من غير المحتمل أن من لم يدخن قبل عمر العشرين أن يبدأ التدخين بعد هذا العمر. فكل ما بدأ المدخن التدخين في عمر مبكر كلما ازداد إدمانه على التدخين وكلما ازدادت فترة تدخينه وبالتالي يكون أقل قابلية للإقلاع عنه من الذي بدأ التدخين مبكرا ولهذا فإن هذه الشركات تعلم أن إدمان الشباب هو أملها الوحيد للمستقبل.
إن هذه الشركات تنفق سنويا ما مقداره 10 بلايين من الدولارات من أجل التسويق لمنتجاتها، كما أنها تستخدم الوسائل المعتادة من أجل ترويج التدخين بين النساء والمراهقين ومحاولة الضغط على الحكومات من أجل عدم رفع الضريبة الجمركية على منتجاتها وخصوصا في الدول النامية.
وعلى الرغم من إدعاءات هذه الشركات المصنعة للتبغ من أنها توفر فرص للعاملين وتسهم في رفع الدخل القومي للدول مما يسهم في رفع الاقتصاد المحلي والعالمي، إلا أن معانات الدول من الأمراض والوفيات والخسائر الاقتصادية الناتجة عنها تفوق بكثير المساهمات التي تدعيها هذه الشركات.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تقدر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الوفيات بسبب التدخين 92 بليون دولار سنويا، كما أنها تصرف ما قيمته 81 بليون دولار سنويا على النفقات الصحية المتعلقة بتأثيرات التبغ الضارة. بينما بلغ حجم هذه الخسائر في ألمانيا 7 بلايين دولار وفي أستراليا بليون دولار سنوياً. إن العبء الاقتصادي الناجم عن الوفيات يهدد الدول النامية بشكل أكبر حيث أن أربع من كل خمسة وفيات مرتبطة بالتدخين من المتوقع حدوثها بهذه الدول بحلول العام2030م.
إن هدف هذه الشركات هو الحصول على أكبر قدر من المستهلكين للتبغ مما يعمق الفقر في تلك الدول حيث تشير الدراسات أن الفقراء هم الأكثر استهلاكا للتبغ من الأغنياء. فبالنسبة للفقراء فإن صرف الأموال على التبغ يعني عدم صرفها على المتطلبات المعيشية الأساسية مثل الصحة والتعليم والسكن. ففي بنغلادش يصرف الفرد على التبغ 15 مرة أكثر من صرفه على التعليم، وفي اندونيسيا -حيث ينتشر التدخين بين الفقراء- فإن الفئات الأقل دخلا تنفق ما مجمله 15% من دخلها على التبغ، بينما تنفق هذه الفئات في مصر 10% من دخل الأسرة على استهلاك التبغ ومنتجاته.
إن الفقراء هم الأكثر عرضة من الأغنياء للإصابة بالأمراض والوفيات المتعلقة بالتبغ مما يشكل عبئا على الاقتصاد والاستمرارية في الحلقة المفرغة بين الفقر والمرض.
أما التدخين السلبي فبالإضافة إلى تأثيراته الضارة على الصحة ، فله تأثيرات خطيرة على مصادر الاقتصاد في الدول، فأمريكيا وحدها تنفق ما مقداره 5 بلايين دولار سنويا كإنفاق غير مباشر وأكثر من 5 بلايين أخرى كإنفاق صحي مباشر على الإعاقات وخسائر الأجور الناجمة عن استخدامات التبغ. بينما أوضحت التقارير الصادرة عن هونغ كونغ أن مقدار الإنفاق على الرعاية الصحية والرعاية المزمنة والخسائر الناتجة عن التعرض للتدخين السلبي تقارب 156 مليون سنوياً.
ومع ارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض المتعلقة بالتبغ خلال العقود القادمة فإن النفقات المالية التي ستصرف عليها ستلحق أضرار اقتصادية شديدة خصوصا على الدول القليلة والمتوسطة الدخل.
وعلى الرغم من أن وباء التبغ يهدد حياة الإنسان أكثر مما تهددها الأمراض المعدية، إلا أنه لا يتطلب مصل أو تطعيم للوقاية منه، بل يتطلب منا انتهاج سياسات صارمة. وهذه الوقاية تكمن بيد القادة والسلطات التنفيذية والتشريعية الذين يملكون الحل الذي من شأنه القضاء على وباء التبغ.
إن الحل هو ما قالته مارجريت شان المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية" إن صد هذا الوباء القابل كلية للوقاية يجب أن يكون على قائمة أولويات الصحة العامة بالنسبة للقادة السياسيون في كل دول العالم "
د. مريم الجلاهمة
رئيس جمعية مكافحة التدخين
مترجم عن تقرير منظمة الصحة العالمية حول الوباء العالمي للتبغ-2008م
|